الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

326

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

البقرة وهي تصف اليهود قائلة : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون . ويقول تعالى في آخر الآية في عبارة وجيزة : والله لا يهدي القوم الظالمين . صحيح أن الهداية شأن إلهي ، ولكن ينبغي أن تهيأ لها الأرضية اللازمة ، وهي الروح التواقة لطلب الحق والبحث عنه ، وهي أمور يجب أن يهيئها الإنسان نفسه ، ولا شك أن الظالمين يفتقدون مثل هذه الأرضية . وأوضحنا سابقا أن اليهود اعتبروا أنفسهم أمة مختارة ، أو نسيجا خاصا لا يشبه غيره ، وذهبوا إلى أبعد من ذلك حينما ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه المنتقمون ، وهذا ما أشارت إليه الآية ( 18 ) من سورة المائدة : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ( رغم أنهم يقصدون الأبناء المجازيين ) . ولكن القرآن شجب هذا التعالي مرة أخرى بقوله : قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ( 1 ) . فالأحباء يتمنون اللقاء دائما ، ولا يتم اللقاء المعنوي بالله يوم القيامة إلا عندما تزول حجب عالم الدنيا وينقشع غبار الشهوات والهوى ، وحينئذ سيرى الإنسان جمال المحبوب ويجلس على بساط قربه ، ويكون مصداقا ل‍ في مقعد صدق عند مليك مقتدر فيدخل إلى حرم الحبيب . إن خوفكم وفراركم من الموت دليل قاطع على أنكم متعلقون بهذه الدنيا وغير صادقين في إدعائكم . ويوضح القرآن الكريم هذا المعنى بتعبير آخر في سورة البقرة آية ( 96 ) عندما يقول تعالى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا

--> 1 - اعتبر بعض المفسرين ( من دون الناس ) حالا لاسم إن ، بينما قال آخرون : إنها صفة لأولياء .